السيد الطباطبائي

111

تفسير الميزان

وقوله في صدر الآية : ( أم أنا خير ) الخ ، أم فيه إما منقطعة لتقرير كلامه السابق والمعنى : بل أنا خير من موسى لأنه كذا وكذا ، وإما متصلة ، وأحد طرفي الترديد محذوف مع همزة الاستفهام ، والتقدير : أهذا خير أم أنا خير الخ ، وفي المجمع قال سيبويه والخليل : عطف أنا بأم على ( أفلا تبصرون ) لان معنى ( أنا خير ) معنى أم تبصرون فكأنه قال : أفلا تبصرون أم تبصرون لأنهم إذا قالوا له : أنت خير منه فقد صاروا بصراء عنده انتهى . أي إن وضع ( أم أنا خير ) موضع أم تبصرون من وضع المسبب موضع السبب أو بالعكس . وكيف كان فالإشارة إلى موسى بهذا من دون أن يذكر باسمه للتحقير وتوصيفه بقوله : ( الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) للتحقير وللدلالة على عدم خيريته . قوله تعالى : ( فلو لا القي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ) الأسورة جمع سوار بالكسر ، وقال الراغب : هو معرب دستواره قالوا : كان من دأبهم أنهم إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب فالمعنى لو كان رسولا وساد الناس بذلك لألقي إليه أسورة من ذهب . وقوله : ( أو جاء معه الملائكة مقترنين ) الظاهر أن الاقتران بمعنى التقارن كالاستباق والاستواء بمعنى التسابق والتساوي ، والمراد إتيان الملائكة معه متقارنين لتصديق رسالته ، وهذه الكلمة مما تكررت على لسان مكذبي الرسل كقولهم : ( لولا انزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) الفرقان : 7 . قوله تعالى : ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ) أي استخف عقول قومه وأحلامهم ، والباقي ظاهر . قوله تعالى : ( فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ) الايساف الاغضاب أي فلما أغضبونا بفسوقهم انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ، والغضب منه تعالى إرادة العقوبة . قوله تعالى : ( فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) السلف المتقدم والظاهر أن المراد بكونهم سلفا للآخرين تقدمهم عليهم في دخول النار ، والمثل الكلام السائر الذي يتمثل به ويعتبر به ، والظاهر أن كونهم مثلا لهم كونهم مما يعتبر به الآخرون لو اعتبروا واتعظوا .